"سومريون.نت" الناصرية / احمد داخل السعداوي ..عندما نستدعي الذاكرة المكانية تنفتح الشهية للتذكر، لان حدود المكان تخلق حسا جماليا تدون حقبا سالفة عاشها الانسان
،وتعيد النظر بالأزمنة الفائتة ،فالأمكنة جديرة بتدوين المحذوف من التاريخ المكتوب، واستنطاق الأمكنة لايقل اهمية عن المدون في متن التاريخ.
عكد الهوى
يقول الباحث والاديب حسن عبد الغني الحمادي: ان شارع الحبوبي هو في العمق التاريخي لمدينة الناصرية ،كان يعرف في الماضي بعكد الهوى يوم كان زقاقاً ضيقاً يشق المدينة طولا من الشمال الغربي حتى الجنوب الشرقي تحف به البيوتات من الجانبين، كان ذلك في بداية الاربعينيات من القرن الماضي ،وجاءت هذه التسمية لان اغلب بيوتات الشارع آنذاك كانت تحافظ على حديقة بسيطة تتوسط الشارع وتنتظم في شكلها ...وبما ان صيف الناصرية لاهب فان الاهالي اعتادوا على رعاية هذه الحديقة فكانت تسقى يوميا فتأتي نسمات طرية ممتلئة بالنداوة ليفوح عطر هذه الخضرة لذا سمي ((بعكد الهوى)) ويتابع الحمادي حديثه، بعدها تغير اسم الشارع فيما بعد عندما طرأ تغيير عمراني على المدينة واتسعت فكان لابد من وجود شارع رئيس، والشارع هذا وأقصد عكد الهوى كان مؤهلاً لذلك لانه يتوسط مركز المدينة وتخليدا للمجاهد والعالم الجليل الشاعر السيد محمد سعيد الحبوبي ذلك المجاهد الذي قدم الى الناصرية على رأس جماعة من المجاهدين من علماء الدين وشيوخ عشائر من النجف الاشرف والفرات الاوسط حتى نزوله الناصرية في احدى البيوتات العريقة ((بيت العضاض )) الذين كانوا يسكنون في هذا الشارع ،جاء ليتخذ من الناصرية مركز عمليات المعركة وأقصد معركة الشعيبة الجهادية التاريخية لملاقاة المحتل البريطاني اوائل القرن الماضي.
شارع المكتبات والورود
بنظر الباحث حسن عبد الغني الحمادي فان صفة جميلة اكتسبها الشارع ايضا في تسعينيات القرن الماضي وهي كثرة مكتبات الأرصفة التي تبيع الكتب المتنوعة وهي موزعة على الأرصفة بين زحام المارة والقراء والمتفرجين طيلة اوقات النهار .
بينما بين الحاج سالم علي، ان الشارع كان يمتاز بكثرة الاشجار وأصناف الورود وهي تتوسط الشارع وتشعر عندما تراها على بساطتها كأنك في احد مصايف شمالنا الحبيب ،يصاحب هذا المنظر الجميل جلسات السمر التي كان يعقدها يوميا سكنة هذا الشارع الذين يمتازون بالطيبة وحلو المعشر وهم يتجاذبون مايحلو لهم من طيب الحديث ،وبيوتهم مشرعة للنازلين الذين يقصدون المدينة ليحلوا ضيوفا كرماء على اهلها ،لان اكثر البيوتات التي تسكنه هي من العوائل العريقة في الناصرية .
صالون حلاقة المبدعين
يستذكر كريم الحلاق اقدم حلاق في المدينة وصاحب صالون حلاقة في شارع الحبوبي : يقول عندما طرأ تغيير عمراني على المدينة واتسعت أزيلت الحدائق التي كانت تتوسط الشارع وجرفت معها البيوتات الطينية والخرائب، كان ذلك في بداية السبعينيات من القرن الماضي ومحيت معها الكثير من الذكريات الجميلة ...ذكريات تستحق التدوين ،وأتذكر كان بيت من الطين واللبن واطئاً يقع بالقرب من تمثال الحبوبي كان يسكنه رجل مسن يدعى (مصطفى التركي ) ويقال عنه من بقايا الجيش العثماني ظل يسكن هذا الشارع حتى توفي في اواخر السبعينيات من القرن الماضي ...ويتابع الحلاق حديثه كان شباب الشارع يقضون اوقات الفراغ عند هذا الرجل ويتفرجون على الحمائم وأصناف الطيور الداجنة فقد كان مولعا بتربيتها ،ويعتاش ايضا منها من خلال بيعه قسما منها فكان ملتقى لشباب الشارع ..
ويسترجع كريم الحلاق ذاكرته فيقول: زبائني القدماء، منهم من رحل عن الدنيا وأتذكر منهم الشاعر رشيد مجيد والفنان التشكيلي ناجي السنجري والفنان محمد صبري والفنان المسرحي عزيز عبد الصاحب والملحن المبدع كمال السيد والفنان فتاح حمدان والملحن جمال فاضل والفنان المبدع صباح السهل والفنان التشكيلي فؤاد جهاد والفنان التشكيلي احمد الجاسم والفنان احمد كنو وآخرون، اما الاحياء فمازالوا يتواصلون معي الى اليوم ومنهم الفنان الكبير حسين نعمة والشاعر المبدع عريان السيد خلف والفنان علي جودة والكاتب زيدان حمود والشاعر كريم الشويلي والفنان المبدع كمال محمد والاعلامي سامر المشعل والموسيقار حسن الشكرجي والكثير من الشخصيات المعروفة من ادباء وفنانين .
تمثال الحبوبي
ذاكرة سعد كاظم التي تمتد لخمسين عاما تستذكر حدثا مهما، يقول: يوم كان عمري اربعة عشر عاما تم نصب تمثال السيد الحبوبي الذي نفذه الفنان عبد الرضا كشيش يوم كان عمره عشرين عاما وهو اول عمل نحتي له ، حيث اقيم احتفالا كبير يوم انجاز هذا النصب حضره كل ابناء المحافظة وهو اول نصب يتوسط المدينة وحضرت ايضا اسرة السيد الحبوبي التي قدمت من النجف الاشرف وألقيت خلال الاحتفال القصائد الشعرية والكلمات والخطب التي استذكرت سيرة السيد الحبوبي الجهادية وثمنت الموقف الوطني الذي وقفة ابناء العراق خلال حملة الشعيبة الجهادية وباركت الجهود التي ساهمت في اذكاء هذه الفكرة التي خلدت الرموز الوطنية ومنهم المؤرخ الراحل الاستاذ شاكر الغرباوي يوم كان يشغل منصب رئيس بلدية الناصرية وغيره من ابناء المدينة الاصلاء ..ويتابع كاظم حديثة مستذكرا البيوتات العريقة التي كانت تسكن هذا الشارع منها بيت العجام وبيت الغرباوي وبيت العضاض وبيت الحاج طالب والد السياسي المعروف ناجي طالب .
وطاله الاهمال أيضا
يقول الكاتب والمترجم امير دوشي: يمثل شارع الحبوبي بالنسبة لي الدهشة الاولى بمكتباته التي كانت منتشرة على ارصفة الشارع ،والاحتفالات التي كانت تقام والتظاهرات والكثير من الاحداث المهمة وثقها هذا الشارع منها ما هو محزن وغائم كالتظاهرات والاحتجاجات ومواكب التشييع ومنها ما هو مفرح كالاحتفالات والاعياد الوطنية التي كانت تقام في هذا الشارع وأهمها الاول من ايار عيد العمال الذي كان يمثل عرساً حقيقياً لأهالي الناصرية فكانت تستعرض كل صنوف الطبقة العاملة بالسيارات وهي مزينة بأنواع الزينة والألوان الزاهية التي تمثل المهن العمالية وكان الشارع يزدحم بالمتفرجين والمشاركين في الاحتفال، ويتابع دوشي: في فترة السبعينيات كنا نذهب الى المدرسة نمر بالقرب من التمثال الشامخ وسط المــــــــدينة..
منظر مدهش حقا ،وكان هناك ايضا نصب اخر شيد في بداية الشارع من جهة الشمال الغربي للمدينة يمثل (الطالب) ازيل في فترة التسعينيات من القرن الماضي ولانعرف الاسباب ، وبالقرب منه كانت ساحة الكشافة التي تحولت فيما بعد الى مبنى مديرية تربية ذي قار وهذه الساحة تقام فيها الفعاليات الرياضية والألعاب السويدية وكانت تجمعاً لأبناء المدينة ...
ويضيف امير دوشي لكن الشارع في نهاية السبعينيات اصبح يفتقر الى الخدمات وحتى اليوم فهو بحاجة الى الاهتمام واعادة تأهيل التمثال لانه يمثل حقبة تاريخية مهمة للناصرية وللبلاد وكذلك وضع نافورات وخدمات للشارع خصوصا في منطقة الاطباء حيث تتجمع النفايات عند آخر النهار بالرغم من ان الشارع تجاري بامتياز بسبب انتشار عيادات اطباء والمحال التجارية فهو مكتظ بالمارة من الصباح حتى المساء.